لا عزاء في الغنى لوقا 24:6

إنجيل لوقا إنجيل خلاص ورحمة، فيسوع هو مخلص العالم كلِّه، وهو آدم الثاني الذي يربط البشرية بالله. فقد شدد لوقا على لطف مخلصنا وحنوِّه تجاه الخطأة. لكنه في الوقت عينه يظهر لنا أن حنانه ومحبته ليست نابعة من ضعفٍ، فكما أنه يقبل الخطأة التائبين والمساكين المُبغَضين، ويعدهم بالخيرات الآتية التي تعوّض شقائهم الأرضي. كذلك يقسو على المتكبرين (لو51:1-52)، والأغنياء المتنعمين بخيرات هذا العالم (لو24:6-25)، الذين يهددهم بالشقاء والتعاسة، فيقول لهم: "ولكن الويل لكم أيها الأغنياء، لأنكم قد نلتم عزائكم"(لو24:6). تمَّ ذلك من خلال خطبته التي وجهها إلى تلاميذه والجموع الذين تبعوه، والتي نسميها العظة في السهل، بحسب ما يذكر لوقا في سرده (لو17:6)، وهي تقابل إلى حد كبير الموعظة على الجبل كما وردت في الإنجيل بحسب الرسول متى(1:5-12).

لذلك سوف نحاول في بحثنا هذا دراسة الأية التي تمثل بداية الويلات(الويلة الأولى لو 24:6)، ومحاولة تفسيرها مستعينين ببعض المراجع المهمة. بداية من تفسير انجيل لوقا للأب بولس الفغالي، كما سنستعين بالقاموس الموسوعي للعهد الجديد، وأيضاً سنأخذ القليل مما شرحه جونسون وهارينغتون في تفسيرهما لإنجيل لوقا المنشور باللغة الإنكليزية، وطبعاً بالاستفادة من برنامج Bible Works في مقارنة الكلمات والترجمات.

بدأ يسوع تعليمه لتلاميذه والجموع من حوله، بأربع تطوبيات، أتبعها بأربع ويلات-التي يتفرد بها لوقا- تقابلها في التفصيل، مما يضعنا أمام تعارض أدبي وتعليمي. إذ منذ البداية أعلن يسوع أن السعادة هي من نصيب الأشقياء، ومما زاد الموقف تناقضاً هو إعلانه شقاء سعداء هذا العالم. مكرراً المفارقات عينها لكن بنظرة سلبية، فأكسب المُعطى الأصلي وضوحاً أكبر. نلاحظ أن الإنجيلي لوقا يطرح التطويبات بأسلوب أدبي يختص أكثر بالويلات، إذ يضعها بأسلوب المخاطب (الشخص الثاني). وبذلك تتجاوز زمنها وتتعدا السامعين إلى القارئين في كل زمانٍ ومكان. المصطلح "ويل، οα" الذي ينتقل به يسوع من أسلوب الوعد بالملكوت والخيرات الأبدية، إلى أسلوب التهديد والتحذير، يعبر عن الغضب والألم. وهي تمثل أيضاً الكلمة العبرية "hoy" التي استخدمت لجذب الانتباه (إش 55:1). كما يمكن أن تعبر عن الحزن (أم 29:23)، اليأس (1صم 8:4)، النوح (1مل 30:13)، عدم الرضا (إش 4:1)، والخوف عند التهديد (حز 23:16). يذكرها أيضاً بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (16:9)، مؤنباً بها نفسه، ومذكراً بمدى أهمية عمله التبشيري، وكم ستكون، بالنسبة له، مصيبة إن لم يكن أميناً على البشارة. كما ترد في سفر الرؤيا مراتٍ عدة (13:8، 12:9، 14:11، 12:12) بمعنى التحذير من العواقب، وفي (10:18-16-19) ترد كدعاء شفقة على الذات يطلقها ملوك الأرض والتجار بسبب فقدانهم أملاكهم وأموالهم. في متى (21:11) يقابلها أيضاً لوقا (13:10) يصرخ يسوع بإدانة وشجب تجاه كورزين وصيدا لعدم الاستجابة لرسالته. كما يحذر في( مت7:18) الذين يعثرون الضعفاء ويجبرونهم على الخطيئة، وهذه خطيئة تستحق اللوم. كذلك في (مت19:24) (مر13:17، لو23:21) تعبر عن الشفقة والتعاطف مع الذين ستعطلهم مسؤولياتهم العائلية عن الهروب من مدينة أورشليم التي مصيرها الخراب. أيضاً في اللغة العربية تعني حلول الشَّرِّ والعذاب، والدُّعاء بالهلاك والعذاب بقصد التهديد والتحذير.

يوجِّه يسوع الويل الأول إلى الأغنياء المتّكلين على أموالهم، والذين أعمت الثروة عيونهم عن معاينة الله. فالغني يلعب دوراً رئيسياً في إنجيل لوقا، كمقابل للفقير. إذ يدل تعبير "غني" على الرفاهية الاقتصادية والأمان لمن لا ينقصه شيء. أما في السياق، فهي تعني شعور الكبرياء الذي لا يطلب معونة الرب، إذ إنهم ينالون ما يرضيهم في هذه الحياة. لذلك سيلحق بهم شقاء في العالم الأخير إذ لا سعادة تنتظرهم. فهم بذلك تعساء لأنهم وجدوا أنفسهم في أماكن سيئة، متناسين الله ومهتمين بأمورهم الدنيوية، متجاهلين إخوتهم من الفقراء والمعوزين، "إن المستعلي عند الناس هو رجس قدام الله"(لو 15:16). فمحب المال ظالم نفسه، إذا لم يحسن استعمال ثروته بأمانة، وخرج عن عبودية المال "إذ لا يمكن للخادم أن يخدم سيدين"(لو13:16)، فينال بذلك عزاءه. فإن كلمة "عزاء، παρκλησιν" تعني المساعدة المعنوية التي يعتمد عليها الإنسان. فتعزية الغني هي ثروته، أما تعزية الفقير فهي ملكوت السماوات. إذ إن أصدقاء يسوع هم الفقراء، كالأرملة المسكينة التي أعطت كل ما تملك (لو 1:21-4)، ولعازر الفقير (لو20:16). فإنَّ القليل الذي يقدِّمه الفقير أفضل من الهبات الكثيرة التي يقدِّمها الغني، لكن الرب لا يدين من له أموال إنما يدين من يسيء استخدامها.

أربعة ويلات يذكرها الإنجيلي لوقا، وقد نطق بها يسوع، لتحذير الذين لم يتبعوه، وللتعبير عن الحزن لما يعرفه عن نهايتهم المحتومة، فقد يكونون أغنياء بحسب مفهوم العالم ولكنهم مفلسون من ناحية الأمور التي لها أهمية حقيقية، الأمور المتعلقة بالروح. ويل نطقه يسوع بالنسبة لمصير يهوذا يجمع بين الغضب الإلهي والأسف العميق، لأنه وضع نفسه خارج رحمة الله.

طارق المجبِّر

المراجع

الفغالي، بولس، انجيل لوقا، 3 أجزاء  )د. ب.  (3/9/13، بيروتالرابطة الكتابية. 1993 - 1996 . مطبوع.

فيربروج، فيرلين، القاموس الموسوعي للعهد الجديد -مكتبة دار الكلمة- القاهرة .2007 -

Johnson, Luke T, and Daniel J. Harrington. The Gospel of Luke. Collegeville, Minn: Liturgical Press, 2006.


Barton, John, and John Muddiman. The Oxford Bible Commentary. Oxford University Press USA - OSO, Oxford, 2013.

Bible Works, Bible Works, Ver. 10. Bible Works for Windows. Hermeneutika Computer Bible Research Software, 2016, IBM PC Compatible for Windows, CD.

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بسماتٌ مِنَ الأبديّة-(لو21:6ب)

مديح خلاص أم مديح كبرياء لو 6: 26

اهل الملكوت (لو20:6)