اهل الملكوت (لو20:6)
أهل الملكوت
يطوِّبُ المخلص من هم مسحوقين من قبل الذين يحسبون أنفسهم حكماء وفهماء؛ لأن هؤلاء المساكين لا ثروة لديهم ولا معرفة ولا حكمة أي يُنظَر إليهم كمجانين وضعفاء. لكن المخلص نفسه قال في إشعياء النبي: "سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء" (إش14:29). وأيضاً "اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء، واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء" (1كو27:1). في هذه الدراسة سنورِد بحثاً تفسيرياً يتضمن الجوانب الأدبية واللاهوتية لهذه التطويبة (طوبى للمساكين، فإن لهم ملكوت السموات) كما ترد في إنجيل لوقا(20:6)، وأيضاً المقارنة الإزائية وذلك سيتم بالاستعانة بعدة مراجع مثل: تفسير الأب بولس فغالي لإنجيل لوقا والقاموس الموسوعي للعهد الجديد وأيضاً the Gospel of Luke by Johnson, Luke T, and Daniel j.Harrington. للدراسة الأدبية وبرنامج Bible Works للمقارنة ودراسة اللغة.
يتحدث لوقا في مقدمة
التطويبات (الإصحاح 6) عن صعود السيد إلى الجبل للصلاة واختيار التلاميذ، ومن ثم ينزل إلى السهل مع التلاميذ حيث الجموع الكثيرة
جاؤوا يطلبون كلمة الخلاص والشفاء لمرضاهم. عند المقارنة مع إنجيل متى
نجد أن العظة تمت على الجبل مع التلاميذ فقط ولكن لوقا أراد توسيع دائرة الجمهور
حتى يشمل الأمميين؛ فيعطينا مقدمة أطول يذكر فيها الجموع الكثيرة والمرضى مع
الحفاظ على أولية توجيه العظة للتلاميذ في المقدمة المباشرة للتطويبات.
كلمة "طوبى":
Μακάριοι مأخوذ من μακάριος الذي يعني المبارَك، السعيد أو المغبوط.
كلمة "المساكين":
ترد عند لوقا بمفردها Μακάριοι οἱ πτωχοί وتعني الفقير والمتسول. في الفكر اليوناني
القديم لم يُنظر إلى
الفقر على أن له قيمة دينية، بل الصدقة مع هؤلاء المعوزين هي تأخذ مكانة الفضيلة،
وفي الفلسفة اليونانية اللاحقة كان يُنظر إلى الفقر على أنه شرط مسبق للفضيلة. كلمة
πτωχο'ς لها معان مختلفة فقد
تعني الفقير اجتماعياً والضعيف بدنياً وأيضاً المتسولين والمشردين الذين لا بيت
لهم. في العهد القديم كان محرّماً أن يُستغل أو يُقمع الفقراء فالرب نفسه هو
حاميهم، ولكن عندما تغير الاقتصاد إلى استخدام النقود وأصبح الفلاحون يعتمدون على
رجال التجارة؛ أصاب الفقر قطاعاً كبيراً من الشعب وصار يُعتبر مشكلة دينية لأنها
تضمنت انتهاكاً للناموس الإلهي. ولذلك هاجم أنبياء العهد القديم المظالم
الاجتماعية وهددوا بدينونة الله التي ستحل على الأغنياء الذين كانوا السبب. في هذا
الإطار نفهم معنى "الفقير" أنه من يعاني الظلم، وهو فقير ليس نتيجة
عصيانه أو كسله، إنما السبب في ذلك آخرون ممن احتقروا ناموس الله. نستنتج أن
المعنى الدقيق لكلمة "مسكين": كل أولئك الذين لجأوا إلى الله وهم في شدة
الفقر طالبين عونه فهو حامي الفقراء وقاضي إسرائيل[1].
هؤلاء المساكين الذين يطوبهم يسوع هم على الرجاء وفي انتظار ملكوت السماوات. وردت πτωχο'ς بمعناها
الحرفي في (مر21:10) عندما قال للشاب الغني: "اذهب وبع كل ما لك وأعط
الفقراء"، وأيضاً اعتبر عطية المرأة الفقيرة أعظم بكثير من عطايا الأغنياء[2].
في التطويبات يظهر الفرق بين متى ولوقا حيث يستخدم متى "المساكين
بالروح" أي في صيغتها الموسعة وعلى أساس خلفية يهودية، أما لوقا فيشير للفقر
الاجتماعي على مبادئ إنسانية ولهذا يقول المفسرون أنه يحافظ على الأمانة للمصدرQ؛
فكلمة πτωχοί ترد عند لوقا حوالي 10 مرات.
نرى إيقاعاً موزوناً في التطويبات الثلاث
الأولى عند لوقا وصيغة للغائب فملكوت السماوات حاضر ولو بشكل خفي في شخص يسوع
وكلامه وأعماله، فالحالة الاجتماعية التي يتوجه عند لوقا لا يمكن أن تكون مصدراً
للفرح وبذلك يُظهر لوقا إمكانية الحصول على هذا الفرح الحقيقي للأمم. بالتالي على
هؤلاء المساكين أن يفتحوا اعينهم وأذهانهم ليفهموا الحقيقة، فهي خبرة خروج من
أفكارهم ومعتقداتهم وبؤسهم ليؤمنوا بالرب يسوع الذي يعطي الفرح الحقيقي. كلمة
ملكوت الله βασιλεία τοῦ θεοῦ يشير في العهد القديم إلى
ملكوت يهوه القادم وهو أمر جوهري، أي تفيد في بمعنى أخروي يُرفع إلى مستوى متعالٍ
بمفهوم ملكوت "ابن الإنسان"[3].
تعبير "ملكوت السموات" يرجع أصله إلى الرابانية اليهودية ليستبدلوا اسم
"مملكة يهوه" وهكذا يتضمن الفكرة الرئيسية بأن الله يحكم كملك، ولذلك
إما نكون معه أو ضده بقرار إرادي؛ فإن فرصة قبول أو رفض هذا الملكوت ستنتهي عندما
يعلن يهوه نفسه في نهاية الأزمنة. تُستخدم كلمة βασιλεία كثيراً في الأناجيل بحيث
تلعب دوراً حاسماً عند لوقا ومتى وبشكل نادر عند يوحنا، وذلك لإظهار الوعد والفهم
اللاهوتي المعاكس لمفهوم البشر.
عند قراءتنا للمقطع اللوقاوي نرى أن هناك عدد من اللعنات تتبع التطويبات ويتبين هنا مجموعة من التناقضات واضحة المعنى في الحياة اليومية للبشر والمجتمعات مثل: الفقر والجوع والبكاء يقابلها الغنى والشبع والضحك. الله هو القادر على قلب هذه الأحوال برمتها فالبؤس الحالي لا يكون بلا رجاء، لأن الوعد في علاقة جديدة بين الله والناس هو وعد يطال كل الخليقة الجديدة بالرب يسوع.
المراجع:
·
Johnson, Luke T, and Daniel J.
Harrington. The Gospel of Luke. Collegeville, Minn: Liturgical Press,
2006.
·
Barton, John, and John Muddiman. The
Oxford Bible Commentary. Oxford University Press USA - OSO, Oxford, 2013.
·
Bible Works, Bible Works, Ver. 10.
Bible Works for Windows. Hermeneutika Computer Bible Research Software, 2016,
IBM PC Compatible for Windows, CD.
·
الفغالي، بولس، انجيل
لوقا، 3 أجزاء )د. ب. 3 / 9 / 13 (، بيروت: الرابطة ا لكتابية. 1993 - 1996 .
مطبوع. فيربروج، فيرلين، القاموس الموسوعي للعهد الجْديد -مكتبة دار الكلمة -القاهرة
–
2007 .
·
الخوري، باسمة، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس- دار الثقافة- القاهرة-
2018
تعليقات
إرسال تعليق