بسماتٌ مِنَ الأبديّة-(لو21:6ب)
بسماتٌ مِنَ الأبديّة 😃-
المقدمة:
يقوم هذا العمل التطبيقي على تفسير الآية:
"طُوبَاكُم أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ سَتَضْحَكُونَ.(لو 21:6 ب)
وهي إحدى تطويبات السيد في العظة التي في السهل كما وردت في الإنجيل بحسب لوقا.
لذا سوف أعرض قراءة تفسيرية للآية، وأبرز ما طرحه الباحثين. لإنجاز هذا العمل سوف
أستخدم مراجع عديدة أهمها: إنجيل لوقا للأب بولس الفغالي، التفسير العربي المعاصر
للكتاب المقدس، The Greek New Testament،The Oxford Bible Commentary. كما
اطلعت على القاموس الموسوعي للعهد الجديد ومعجم اللاهوت الكتابي، ثم خرجت بهذه
الدراسة التي أضعها بين أيديكم.
الباكون والضاحكون:
تعتبر العظة في السهل التي أوردها لوقا أقصر من العظة على الجبل التي ترد في الإنجيل بحسب متى. يستفيد كل من متى ولوقا من
الحاجة إلى التعرف على طبيعة المجتمع الذي يدعو يسوع إلى وجوده. وبالتالي على أن
يتعامل أعضاؤه بالحبّ المتبادل والتسامح والقبول، بالنظر إلى المطالب المتطرفة ليس
بنظرةٍ أخلاقيةٍ عاليةٍ ولكن بالاهتمام المهيمن في الحب واستجابة كاملة لدعوة يسوع (راجع Barton &
Muddiman 935).
التطويبات التي يوردها لوقا لها موقفاً
مختلفاً عن التي ترد عند متى، حيث يقدّم لوقا معياراً لأعضاء مجتمعه كي يجاهدوا ويُعلّموا
الشعب. وبعدها يُركّزعلى طبقة المجمع الجديد فيخاطب التلاميذ مباشرة بصيغة الشخص
الثاني. لا يُشارك لوقا متى اهتمامه بربط المعيار الأخلاقي الذي يطلبه يسوع المسيح
في تشكيل المجتمع من خلال نعمة الله التي أعلنها لنا لنصل إلى الحياة في الملكوت.
في التطويبة الثالثة لا يتحدث لوقا عن
الحزانى، بل عن الباكين (الذين سيضحكون) ويقابلهم بالضاحكين الذين سيبكون. كما استعملها
نفسها في الويلة. ويستخدم لوقا مرةً أخرى مصطلحات نجدها عند أنبياء العهد القديم
مثل إشعياء (13:49؛ 2:61) الذي يتحدّث عن الحزانى. وأراد من ذلك أن يبرز التعارض
بين مصير الفقراء والمتألّمين، الأغنياء والضاحكين في الحاضر ومصيرهم في المستقبل،
فقد فضّل استعمال هذه المفردات المعبّرة وإن لم تكن دينية. في القسم الثاني من الويلة
نجد عبارة "لأنكم ستحزنون وتنـوحون" حيث تبـدو لفظة تحزنون وكأنّها
زائدة، فتثقل الإيقاع، نستنتج من ذلك أنّها تأتي من التطويبة الأصليّة. وهذا ما
يؤكّد أنّ لوقا انطلق من الوثيقة السابقة وأعطاها وجهةً جديدةً دون أن يبدّلها
تبديلاً كاملاً (راجع فغالي 406).
مصطلح (Μακάριοι): "طوبى" يعني سعيد،
جيد أو مبارك. يتم استخدامها في مجموعة متنوعة من السياقات النحوية ومعاني متنوعة.
كما من الممكن أن تُحدّد حالة فوق أرضية للآلهة وللأشخاص الذين يتمتعون في الحظ
السعيد غير العادي (راجع
فيرلين 415).
مصطلح (κλαίοντες) "الباكون": يمكن
أن يعني أيّ تعبيرٍ صاخبٍ عن الألم أو الحزن، كما ترد بمعنى النوح
وابكاء عند الأنبياء، وغالباً ما يرتبط بحزنٍ على كارثةٍ من الممكن أن يكون سببها الخطيئة. و هنا يكون
البكاء كعلامة على التوبة كما نجد في يوئيل (5:1) وإشعياء (4:22) وغيرها (راجعJohnson
107). وكما يرى المفسرون أنّها أكثر قرباً من الأصل والمصدر وهو تعبيرٌ
بسيطٌ استخدمه لوقا.
أمّا بالنسبة
للفعل (γελάσετε)"ستضحكون": يرد
في العهد الجديد فقط في هذا المقطع. أمّا في الترجمة
السبعينية للعهد القديم يُستخدم هذا المصطلح بفارقٍ بسيطٍ ساخرٍ بمعنى الضحك على
شخصٍ ما (Laughing over)، نجده مثلاً في سفر التكوين (17:17 ; 12:18) ( راجع Johnson 107).
لوقا يستخدم هذه التناقضات بين الباكين الذين
سيضحكون والضاحكين الذين سيبكون بهدف عرض دلالةٍ إنسانيةٍ اجتماعيةٍ على عكس متى
الذي يكتب بلغة "بابلية" أيّ كتابية. وهكذا يوضح يسوع أنّ البكاء والضحك
ليسا مجرد مشاعر وأحاسيس، بل هما رسالةٌ واضحةٌ موجَهةٌ إلى الآخر كي يسمعونها.
فإنّ الفرح الذي يأتي به الرّب لكلّ من يقبل خلاصه ملخص التطويبات الثلاث الأولى، وكأنّه
تحقيقٌ لنبوءات إشعياء(10:66). وشرعة المسيح كتبها الرّب بدمه الذي سكبه على الصليب،
وبالروح القدس الذي أسكنه في قلوب من يقبله. ومن يحياها لن يعرف الموت ولا الحزن ولا
الألم، لأنّه سيكون في رفقة المخلّص الذي حقّق الغلبة، وهذا هو جوهر التطويبات (راجع باسمة 1836).
الخاتمة:
في الختام، نستنج
أنّ الاختلاف بين لوقا
ومتى يعود على أسلوب كلّ منهما في الكتابة. ولكن هدفهما مشترك وهو توضيح تعاليم
السيد المسيح التي سينقلها تلاميذه للمجتمع بأكمله. وهذا ما نستطيع أن نُسلّطه على
حياتنا اليومية لأنّنا دائماً نُخطئ ونبكي بألمٍ، وهذا البكاء سيؤول إلى فرحٍ بتحنّن
الرّب علينا، ومن خلال توبتنا نبلغ الملكوت السماوي. وهذا ما شرحناه سابقاً أنّ كلّ
الذين يبكون توبةً في الحياة الأرضية سوف يفرحون ويتنعمون بجوار المسيح. والشرط
الذي يضعه الرّب هو ترك كلّ شيءٍ من أجل يسوع المسيح، فهو جوهر الفرح الحقيقي الذي
لا ينتهي والمبتغى الأسمى لكلّ مسيحي.
زياد صبحه
30/11/2021
المراجع:
1- الفغالي، بولس، إنجيل لوقا، 3 أجزاء (د. ب. 3/9/13)، بيروت:
الرابطة الكتابية. 1993- 1996. مطبوع.
2- فيربروج،
فيرلين، القاموس الموسوعي الجديد –
مكتبة دار الكلمة – القاهرة – 2007.
3- الخوري، باسمة، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس – دار
الثقافة – القاهرة – 2018.
4- Johnson, Luke T,
and Daniel J. Harrington. The Gospel of Luke. Collegeville, Minn: Liturgical Press, 2006.
5- Barton, John, and
John Muddiman. The Oxford Bible Commentary. Oxford University Press USA – OSO,
Oxford, 2013.
6- Bible Works, Bible Works,
Ver. 10. Bible Works for Windows. Hermeneutika Computer Bible Research Software, 2016, IBM PC Compatible for Windows,
CD.
تعليقات
إرسال تعليق