مديح خلاص أم مديح كبرياء لو 6: 26

 

مديح خلاص أم مديح كبرياء

مقدمة:

خلال دراسة إنجيل القديس لوقا نستشف بوضوح أسلوب التوازي الذي يتكرر مراراً في السرد اللوقاوي، وفي الموعظة على السهل يربط القديس لوقا الويلات بالتطويبات، ويطابقها في التعبير، فيذكر 4 تطويبات تقابلها 4 ويلات فينفرد العمل اللوقاوي بهذه الآيات، فهو هنا يهنئ ثم يطلق تهديدات وأحكام لا يمكن استئنافها، فيخاطب بها السامعين الذين يرفضون تعليم الخلاص.

سنحاول من خلال هذا البحث أن نحلل ونفسر الآية "وَيْلٌ لَكُمْ إِذَا قَالَ فِيكُمْ جَمِيعُ النَّاسِ حَسَنًا. لأَنَّهُ هكَذَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ." (لو6: 26)، حسب وجودها ضمن إنجيل لوقا وسوف نعتمد في ذلك على: تفسير انجيل لوقا للأب بولس الفغالي، كما سنأخذ ونستعين من القاموس الموسوعي للعهد الجديد المحرر من قبل فيرلين فيربروج، وأيضاً من جونسون وهارينغتون في تفسيرهما لإنجيل لوقا المنشور باللغة الإنكليزية وطبعاً سنستفيد من الكلمات اليونانية والمقارنات من برنامج Bibleworks في نسخته العاشرة.


الويل:

هذه الويلات التي يقدمها لوقا هي خاصة به على مستوى اللغة والأسلوب (الفغالي، 403) والتي تكون بصيغة المخاطب، للسامع والقارئ.

ينفرد لوقا بصياغة بعض الآيات التي لم تُؤخد من المصدر “Q” وخصوصاً الويلات، بالإضافة لبعض الآيات "24-26,27c,28a,34-35a,37bc,38a,39a" (Fitzmyer، 628)

ينقل لوقا بأمانة من نص المصدر  “Q” للتطويبات والويلات، لكنه في هذه الآية يتجنب استخدام كلمة اضطهاد، ولا ينادي المضطهدين، بل ينادي ويوجه حديثه إلى الذين يفرحون وينالون نصيبهم من رضى الناس لهم، فاختفى في هذه الويلة الباعث الديني (لأجل ابن الإنسان) (الفغالي، 405)

كلمة الويل في العهد القديم (οὐαὶ) للتعبير عن الحزن أو اليأس أو النواح وعدم الرضى والألم والخوف في حال وجود تهديد، أما في العبرية (אוֹי־לְךָ֣) فهي ببساط لجذب الانتباه. في العهد الجديد هي تعبر أساساً عن الدينونة، هي أيضاً للشجب والإدانة، وفي هذه الآية هو يحذر الذين يرضون الناس بكل شيء، فهم أغنياء بحسب مفهوم العالم لكن مفلسون بحسب مفهوم الروح (Verbrugge، 495)

لوقا هنا يوجز كلامه في هذه الويلة فيتحدث عن الذين يمدحهم الناس فيبرز بالمقابل عاكساً ما قاله في التطويبة الرابعة، فمن يمدحهم الناس سيكون مصيرهم كالأنبياء الكذبة، يشدد على الفقير كيف أن الخلاص سيكون له، في هذه الويلة يخاطب الأغنياء من رضى وصيت ومحبة الناس بدون محبة الله، فمصيرهم التعاسة.

حسن في عين الله أم الإنسان:


كلمة حسناً (καλῶς) التي تعني لائق ومناسب ومفيد من الناحية العضوية، ثم توسيعها لتشمل الناحية الأخلاقية فتشير إلى الكمال والجودة التامة. في العهد القديم والعهد الجديد استخدمت هذه الكلمة في إطار كل ما يرضي الله وكل ما هو جيد وحسن في نظره، ولكن أحياناً كانت تشير إلى ما هو جيد وحسن في نظر الناس كما في الآية هنا. فلم تكن الكلمة هنا لمسرة الله بل لما هو لطيف وممتع في نظر الناس (Verbrugge، 335). ويحذر أن السمعة الجيدة الممدوحة على مجال واسع وكبير من الممكن أن تكون خداعة وضالة لحياة المسيحيين لأن هذا لم تتم صياغته مع شرط جزائي عقابي، فلا نجد مستقبل لها. (فيتزماير،637)، فلا نجد في هذه الويلة نتيجة كباقي الويلات والتطويبات الأخرى

مثال: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الشَّبَاعَى، لأَنَّكُمْ سَتَجُوعُونَ" (لو 6: 25)

                            الفعل                النتيجة

لقد سمع الأجداد في العهد القديم إلى الأنبياء الكذبة (إر 5: 31) (حز 13: 19)، فخدعوهم وأعطوهم نبوءات كاذبة عن الخلاص وبرروهم من الخطيئة بقولهم حسناً فيهم (حز22: 28) (هو 10: 13). هذه الويلة كانت قاسية جداً لأن الكذب في نظر الأنبياء ليس مخالفة أخلاقية فقط، بل موقف أخلاقي أساسي لرفض الله الواحد (Verbrugge، 734)

كلمة الأنبياء الكذبة قد وردت في العهد الجديد 11 مرة، وهي تعني الشخص الذي يدّعي باطلاً أنه نبي (Verbrugge، 594)، وفي هذه الويلات يحذرنا من الأنبياء الكذبة ألا نكون مثلهم، فقد كانوا منتشرين كثيراً في منطقة سورية وفلسطين (Verbrugge، 594)

لوقا لا يستخدم هنا الأنبياء الكذبة للدلالة أو الإشارة على مثيري الاضطرابات في الكنيسة، بل للإشارة إلى التقليد الكتابي الباطل فيأتي نبي شهير يخبر الناس بما يودون سماعه وبما يرضيهم (قابل أع 13: 6). (جونسون، 108)

 

خاتمة:

يخاطب لوقا ، بأسلوبه المبدع، القارئ والسامع كي يحثه وينبهه بشدة وبقساوة كي لا يتبع ما قد أخطأ به القدماء وكيف انحازوا وراء التعاليم المضلة. وعلى قول المثل "الضد يظهر حسنه الضد" يأتي القديس لوقا على تزييل التطويبات بويلات أربعة تظهر الفرق والنتيجة العكسية، انتبه إذاً أيها الإنسان أيضاً من الذي يمدحك ويقول لك أفضل الكلام، ففحص ودقق في سبب هذا المديح، وإذا كان السيد المسيح يقول "مَجْدًا مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ" (يو 5: 41) فما حالنا نحن من المجد الباطل، فلا تكون كنبي كذاب نقول ما يرضي الناس سواء أكان قول حق أم قول ضلال، ولنحترز نحن أيضاً من المعلمين لأنه كما يقول الكتاب: "لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ،" (2 تي 4: 3).

المراجع:

1.      الفغالي، بولس، انجيل لوقا، ظهور الكلمة والرسالة في الجليل) بيروت: الرابطة الكتابية. 1993. مطبوع.

2.      فيربروج، فيرلين، القاموس الموسوعي للعهد الجديد - مكتبة دار الكلمة - القاهرة - 2007.

 

3.      Johnson, Luke T, and Daniel J. Harrington. The Gospel of Luke. Collegeville, Minn: Liturgical Press, 2006.

 

4.      Bible Works, Bible Works, Ver. 10. Bible Works for Windows. Hermeneutika Computer Bible Research Software, 2016, IBM PC Compatible for Windows, CD

5. Fitzmyer A. Joseph. The Gospel According to Luke I-IX: Anchor Yale Bible | AYB, 1982.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بسماتٌ مِنَ الأبديّة-(لو21:6ب)

اهل الملكوت (لو20:6)