الفرح الذي لا يعروهُ مساءٌ- لوقا 6: 23
الفرح الذي لا يعروهُ مساءٌ
مقدمة:
موضوع عظات السيد المسيح كانت وماتزال محور هام في
حياة المسيحي. وفي هذه العظة التي نجدها عند لوقا في السهل والتي لا إرادياً
نقابلها في العظة عند متى في الجبل نظراً لما لها من تقابلات. وبتفسير ذلك لا
يمكننا إلا أن نقول انهما استعملا كلّاً بطريقته الخاصة حالة سابقة للنص (راجع الفغالي،
402). وهذه الآية التي نحن بصدد شرحها هي تعبر أيضاً عن مناخ وطبيعة انجيل لوقا
المليء بالفرح والسرور والغبطة والتهليل لله والطوبى لمن يسمع البشارة فيكتبها
بصيغة المخاطب ليخاطب بها ذلك العصر ويخاطبنا كقراء للكلمة الإلهية الآن.
سنحاول من خلال هذا البحث القصير أن ندرس وندقق في
الآية " اِفْرَحُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ
وَتَهَلَّلُوا، فَهُوَذَا أَجْرُكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاءِ. لأَنَّ آبَاءَهُمْ هكَذَا
كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ. "(لو 6: 23) وحسب ورودها ضمن انجيل
لوقا وسياقه وسنعتمد في هذا البحث على المراجع التالية: تفسير انجيل لوقا للأب
بولس الفغالي الجزء الأول منه الذي يتحدث ظهور الكلمة والرسلة في الجليل، كما
سنستعين بالقاموس الموسوعي للعهد الجديد المحرر من قبل فيرلين فيربروج، وأيضاً
سنأخذ القليل مما شرحه جونسون وهارينغتون في تفسيرهما لإنجيل لوقا المنشور باللغة
الإنكليزية وطبعاً بالاستفادة من برنامج bibleworks في نسخته العاشرة الذي سيساعدنا في مقارنة الكلمات والترجمات.
انجيل الفرح:
انجيل لوقا كما قلنا بأنه مكان للفرح والبهجة والغبطة
دائماً فنراه يستخدم كلمة (انجيل) كفعل أكثر من متى ومرقس. فهنا يريد أن يعبر لنا
كم هو مهم نقل الفرح وحمل البشارة وكيف أن انجيل لوقا مجبول بهذه الكلمة من
البداية حتى النهاية وهنا نجدها أيضاً في كلمة افرحوا وطوبهم وهنئهم بهذه البشارة
(راجع الفغالي، 56-57)
التطوبية الرابعة التي تسبق هذه الآية هي تطوّب
المضطهدين من أجل ابن الإنسان (المسيح) وهي تحاول أن تضع أعين الناس على المكان
وتحدد موقع المؤمنين في منظار ما سيعانونه وأيضاً ما سينالونه أخيراً. وفي هذه
الآية أيضاً صورة اسخاتولوجية للمسيح الذي سيُضطهد ويعاني ويتألم ويصلب لأجل
الإنسان ويقوم من القبر وهكذا هو يرسم بذلك صورة للرسل والمؤمنين من بعده وكم
عليهم أن يتشبهوا بالمسيح. (راجع الفغالي، 403)
"ابتهجوا" (ἀγαλλιᾶσθε) هذا الوعد بنوال الثواب والأجر والذي يدل
في العهد القديم على فرح الأزمنة وفي العهد الجديد للبهجة أمام الحدث الخلاصي، لا
نجده عند لوقا في التطوبية بل نجد كلمة تهللوا (σκιρτήσατε: رقص، قفز) للتشديد على التعبير على الفرح
وكأنه يرقص فرحاً وطرباً (راجع الفغالي،
407).
هذا الفرح(χάρητε (الذي
سيناله المؤمنون يكون من افتقاد المسيح لشعبه وعمله الفدائي. فمجيء المسح جلب
الفرح للبشرية بأجمعها ولو كان ذلك سبباً للتلاميذ والمؤمنين والأنبياء للإهانة
والاضطهاد والعذاب لأن لوقا يعلن لهم بيقين ذلك الفرح وبأن عليهم أن يرتكضوا
ويرقصوا ويبتهجوا فذها الفرح لا ينزع منهم (راجع فيربروج، 710)
الاضطهاد المؤدي للحياة الحقة
التطوبية الرابعة كما التطوبية الأولى تتعلق بالفقراء
ومسيحي عصر القديس لوقا الذين يواجهون وسيواجهون أشد الاضطهادات والعذابات والآلام
ونرى أن انجيله مليء بما يعانيه المسيحيون الأوائل ونرى ذلك أيضاً في كتابه بأعمال
الرسل. وضح لوقا بطريقة معينة كيف أن هذا الاضطهاد يحصل في زمن المسيح وفي زمن
الرسل وكيف سيحصل أيضاً في الزمن الاسخاتالوجي الآتي. فنجده يشرح ذلك أكثر وأعمق
في أعمال الرسل حيث يشرح تدخل السنهدريم ضد بطرس ويوحنا (أعمال 4: 1-31) ثم ضد
الرسل الاثني عشر (أعمال 5: 7-24) وغيرها الكثير فأشار بطريقة معينة إلى الاضطهاد
والضيق الاسخاتالولجي الذي سيحصل لمؤمني الرب. فالاضطهاد عند لوقا هو صفة بارزة
وواضحة لعصور وأزمنة الكنيسة منذ الأزل وحتى الأبد.
فنجد في (مت 23: 29-35) و(لو 13: 23) و(عب 11: 32-40) وغيرها الكثير كيف أن التلاميذ عندما يقاسون بالتجارب والشدائد بنعمة الروح يجدون نفوسهم كما كان الأنبياء يعانون منه فكانوا هم أول وأكير المضطَهَدين من أجل الله وهم إذا صبروا وتحملوا فسيشعرون بهذا الفرح والغبطة والسرور كما عاشه الأنبياء موضحاً لوقا ذلك باعتبارهم خلفاء نبويين سيواجهون نفس الرفض الذي واجهه الأنبياء السابقين والمسيح أيضاً (راجع جونسون، 107). فلوقا يوضح هنا من هم الأنبياء السابقين المضطهَدين ويوضح من هم الآباء السابقين المضطهِدين (راجع الفغالي، 408). وها إننا نجد ذلك في أيقونة الفتية الثلاثة الذين يعيشون الفرح رغم الاضطهاد.
الطابع الاسخاتالوجي
"في ذلك اليوم" ἐν ἐκείνῃ τῇ ἡμέρᾳ هي إضافة من قبل الإنجيلي لوقا ليدل على اليوم العظيم الاسخاتالوجي المنتظَر لأنه يذكر أيضاً الثواب المهيأ في السماء ويذكر في الآية السابقة كلمة ابن الإنسان ونرى ذلك الأمر في لو 17: 31 فيعبر عن المجيء الثاني. ولكن أيضاً هنا نرى لوقا يشدد التلاميذ والمسيحيين الأوليين لاحتمال الاضطهادات وبأن عليهم الفرح في ذلك اليوم والارتكاض ابتهاجاً.
يستخدم لوقا مصطلح الأجر ὁ
μισθὸς للتعبير عن استحقاق العامل (لو 10: 7) أو
للدفع مقابل الفعل (أع 1: 18) ولكن هنا هي أقرب للتعبير من مصطلح الكنز كما في يوحنا
(يو 4: 36). ولكن المشكلة هي في معرفة كلمة الجنة أو السماء (τῷ οὐρανῷ)، فهل يقصد بها لوقا أن الله سيجازيهم τῷ οὐρανῷ كما في (لو 15: 7، 18، 21) أم أنها منقوشة
في كتاب سماوي τοῖς οὐρανοῖς كما
في )لو 10: 20( أم أنها تعني مكان ثانوي للاستمتاع
بالمكافأة (راجع جونسون، 107) وهذا الأمر معبّر عنه أيضاً في ليتورجيا أيقونة
الأربعين شهيد في الاضطهاد ونرى أيضاً الأجر المعدّ لهم.
هؤلاء الذين قبلوا كل هذه الآلام لأجل المسيح، يدعوهم
لوقا للفرح بالإعلان لهم بهذا الأجر العظيم الذي سينالونه من رحمة الله ومن التشبه
به، كلُّ من فعل ذلك، الأنبياء والرسل وكل من يُضطهد لأجل المسيح.
خاتمة:
لوقا يوجه حديثه فعلياً للفقراء الذين ارتضوا
وقَبِلوا بالآلام والاضطهادات والدموع وكل أنواع العذابات كي يستأهلوا هذا الفرح
الذي لا يعروه مساء، هذه الغبطة السماوية التي ستشمل الجميع معاً بالمجيء الثاني.
فلوقا كما قلنا يدعو ويخاطب الجميع لامتلاك الفرح والسرور والغبطة وحتى أيضاً أن
ينصهر في هذا الفرح الذي يختبره منذ الآن وكلن سيكتمل في ملكوت السموات حيث يكون
في أحضان المسيح وفي حضرة الله كما الأنبياء والقديسون الآن الذين يعيشونها
وينتظرونا مجيئنا كي يكملوا معنا. وها أنت الآن أيها القارئ مدعو في هذه اللحظة
يخاطبك القديس المسيح بإنجيل لوقا كي تعيش هذا الفرح وتحتمل كل شيء كي تنال كل
شيء.
المراجع:
1.
الفغالي، بولس، انجيل لوقا، ظهور الكلمة والرسالة في الجليل) بيروت:
الرابطة الكتابية. 1993. مطبوع.
2.
فيربروج، فيرلين، القاموس الموسوعي للعهد الجديد - مكتبة دار الكلمة - القاهرة - 2007.
3.
Johnson,
Luke T, and Daniel J. Harrington. The Gospel of Luke. Collegeville, Minn:
Liturgical Press, 2006.
4.
Bible
Works, Bible Works, Ver. 10. Bible Works for Windows. Hermeneutika Computer
Bible Research Software, 2016, IBM PC Compatible for Windows, CD.
تعليقات
إرسال تعليق