لذّة الشّبع تُطفئ القلب - لو 25:6
لذّة الشّبع تُطفئ القلب
"ويل لكم أيّها الشباعى، لأنّكم ستجوعون" (لو 25:6 )
بدايةً، المقصود بكلمة "ويل" (Οὐαὶ ) هو التَحْذير والتعبيرعن الحزن كقولنا: وَيْلٌ لمَنْ لا يمشي مُستقيماً. وفي الويلة الثانية نجد أنّ "الويل" خاصٌّ بالإنجيلي لوقا ونستنتج ذلك من خلال لغته وأسلوبه. ونلاحظ أنّ كلمة "ويل" هي عكس كلمة "طوبى" (Μακάριοί) التي تعني هنيئاً. إذاً فالويل لا يُبشّر بالخير، وإنّما على العكس فالمقصود هنا هو تحذير الأشرار الذين يُبغضون ويظلمون ويضطهدون أبناء الرّب. لقد أعلن يسوع فقط شقاء السامعين الذين رفضوا بعنادٍ تعليمَ الخلاص الذي يُقدّمه: شقاء سكّان مدن البحيرة، والكتبة والفريسيين والمرائين. فالويل إذأً رسالة تحذيرية تُنبئ بحدوث أمرٍ سيءٍ ينتج عنه حالة حزن.(راجع فيرلين 495)
بعد كلمة "ويل" ننتقل إلى تفسير معنى كلمة "لكم" )ὑμῖν) الواردة عند الإنجيلي لوقا وهي تدلّ على المخاطب أيّ لكم "أنتم". تحمل بُعدٌ نبويٌّ أيّ كالنبوءات التي تحدّثت عن مجيء السيد المسيح في العهد القديم وتحققت في العهد الجديد على سبيل المثال. وهنا أيضاً "ويلٌ لكم" تحمل معنى أنّ هذا التحذير يرد كنبوءةٍ ستتحقق في المستقبل القريب مع الأشرار الذين يستمرون بأعمالهم الشريرة وسلوكهم القاسي تجاه المساكين والفقراء.
أمّا بالنسبة لكلمة "الشباعى" (ἐμπεπλησμένοι) نجد أنّ الإنجيلي لوقا لا يتكلم فقط عن الذين شبعوا، بل عن المُتخمين والمُكتظين حرفياً، عن المُمتلئين غنى وملذات هذه الحياة الفانية. والمُتخمين بالغرور والكبرياء وحبّ الذات، وليس لديهم أيّ شهيّة روحية تجاه الله والملكوت.(راجع فغالي 406) فالمقصود بالشباعى هم الذين ظنُّوا أنّهم أغنياءٌ مُتَّكلين على ذواتهم وإمكانيَّاتهم الخاصة، لا على كلمة الله التي هي كالذهب المُصفَّى تهب غنى حقيقياً. والإنجيلي لوقا في هذه الآية لا يتكلم بالطبع عن كُلّ الشباعى لأنّ الرّب يُعطي الشبع، وخاصة لمن يأخذ من يد الرّب بشكرٍ وثقةٍ وتواضع. والرّب أشبع الجموع عدّة مرّاتٍ ولكنّه هنا يتكلم عن من يَشبع على حساب الآخرين بظلمهم وسرقتهم ونهب خيراتهم. وهنا يجب أن نعرف أنّ الفرح لا يعتمد على الشّبع وعدم الجوع لأنّه ليس سوى نتيجة تدخل الله وحده. فإن الله هو القادر على قلب الأشياء برمّتها. وهذا ما أعلنته مريم العذراء في نشيدها مؤكّدة أنّ البؤس الحالي ليس دون رجاءٍ وأنّ الله يُريد تجديد العهد مع البشر. فالمطلوب من المؤمنين عدم اليأس وعدم الاتكال على ذواتهم فقط في تأمين مستقبلهم لأن الوعد في علاقة جديدة مع الله وشعبه هو وعد يطال كل الخليقة الجديدة بالرب يسوع.(راجع باسمة 1836)
أمّا "ستجوعون" (πεινάσετε ) أيّ ستشعرون أنّ لذّات هذه الحياة لا تُشبِع النفس الخالدة، وقد يعتري ذلك الجوع النفس أيضاً أثناء عيشها اللذّة الدنيوية، وكثيراً ما يعتريها أيضاً عند الموت ومفارقة كلّ نعيمٍ أرضيّ. ويكون معظم ذلك في الأبدية حيث تكون النفس الجائعة مُفتقرة إلى كُلّ عزاء. وفي مَثَل "الغني والفقير" (لو 21:16) نجد أنّ الغني الذي شبع في هذه الحياة الدنيا كان كُلّ همّه الأكل والشرب والتنعم بالخيرات والملذات الأرضية دون الحساب لأيّ شيء آخر. كذلك بالعودة إلى لعازر الفقير الذي يتمنى أن يملأ بطنه من الفتات المتساقط عن مائدة الغني. فالمقصود أنّه عند الموت والانتقال إلى الحياة الأخرى كان لعازر يتنعم من كلّ الخيرات الإلهية أيّ لم يعد يشعر بالجوع أبداً، لأنّه كان مكتفياً بنعمة الله التي كانت تحتويه. بينما بالمقابل نجد أنّ الغني الذي كان مُتخماً في الحياة الأرضية كان يشتهي قطرة ماء في الحياة الثانية تُبرّد وهج النار الذي يحيط به، ولكنّه نال نصيبه من الطعام والشراب في الحياة الدنيوية. هذه المفارقة توضح لنا ما هو المعنى الحقيقي "للشبع والجوع". نلاحظ تكرار هذه المفارقة بين الفقراء والأغنياء مراراً عند الإنجيلي لوقا والغاية من هذه الطريقة في عرض الأمور هو توضيح أننا أمام فئات اجتماعية واقتصادية لا أمام استعدادات داخلية روحية.(راجع فغالي 405-406)
في الختام، لا بُدَّ أن نكون قد عرفنا ما قصد به الإنجيلي لوقا من
هذه الويلة، وهو أنّ "الأغنياء الشباعى" الذين يعيشون في المجتمع،
يظنّون أنّهم سُعداء بما يملكونٍ من ثروات ماديّة غير مكترثين لأحوال الفُقراء والبائسين
ولا حتّى إلى دور الله في حياتهم. ويوضح أنّ نصيبهم في نهاية المطاف العيش في حالةٍ
من النقص والفراغ واليأس. لأنّهم ابتعدوا كثيراً عن النور وأطفأوا قلوبهم بظلام لذّة
الشبع المؤقتة فما عادت عيونهم تُبصر الفقير الجائع ولاحتّى الإله الخالق.
مخائيل دويّب
30/11/2021
المراجع:
1-
الفغالي، بولس، إنجيل
لوقا، 3 أجزاء (د. ب. 3/9/13)، بيروت: الرابطة الكتابية. 1993- 1996. مطبوع.
2-
فيربروج، فيرلين، القاموس
الموسوعي الجديد – مكتبة دار الكلمة – القاهرة – 2007.
3-
الخوري، باسمة، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس – دار
الثقافة – القاهرة – 2018.
4- Bible Works, Bible
Works, Ver. 10. Bible Works for Windows. Hermeneutika Computer Bible Research Software, 2016, IBM PC Compatible for Windows,
CD.
تعليقات
إرسال تعليق