انتفاضة على الواقع الاجتماعي - لوقا 25:6 ب

 

 


انتفاضة على الواقع الاجتماعي


 

    سنعمل من خلال هذه الورقة البحثيّة على تفسير ما وَرَد في لو25:6ب، وذلك من خلال عرض السياق الذي وردت فيه هذه الآية، واجراء مقارنة ازائية مع المحتوى الذي يعرضه القديس متى، وذلك للإحاطة بكل جوانب ومعطيات النص.

ولكي تكتمل الصورة التفسيريّة أمامَنا:

1-              سيتم البحث في معاني الكلمات المفتاحية، الواردة ضمن الآية، من خلال الاستعانة بالقواميس، وبرنامج s 10Biblework

2-              وسيتم الاستعانة ببعض المراجع: تفسير الأب بولس فغالي لإنجيل لوقا، والتفسير العربي المعاصر للكتاب المقدّس، وتفسير كل من العالِمَين  Bovon و   Johnson  للإنجيل بحسب القديس لوقا.

 

في البداية لابُد من عرض سياق النص الذي وَرَدت فيهِ الآية 25ب والذي يبدأ بالآية 12 حيث يصعد المسيح إلى الجبل ليصلّي، وينتخب التلاميذ الاثني عشر، ثم يقف بموضع سهل ليُسمع الجمع تعاليمه، تطويبات وويلات، إذ رفع عينيه إلى تلاميذه ليُعلِن التطويبات، وبعدها بشكل مباشر تكلّم عن النقيض المباشر للتطويبات، أي الويلات[1].

 حيثُ يَصنع نوع من موازاة بين مجموعة من النقائض تظهر في الآيات 23،22،21،20 والآيات 26،25،24.

 فالكلام عن " المساكين " في الآية 20 يوازيه الكلام عن " الأغنياء " في الآية 24

والكلام عن " الجياع والباكون " في الآية 21 يوازيه الكلام عن " الشباعى والضاحكون " الآية 25

والكلام عن " المضطهدين وغير المرغوب بهم لأنهم يشهدون للحق كالأنبياء فَيَتِم اضطهادهم " في الآية 22 و23 يوازيه الكلام عن " الأشخاص الممتَدَحين الذين لا يشهدون للحق كالأنبياء الكذبة " في الآية 26.

 وإذا أردنا إجراء مقارنة إزائية بين النص المتّاوي والنص اللوقاوي خاصةً بالتطويبات، نرى أن البُعد الروحي يُهَيمن على النص المتّاوي بشكل كامل، أما النص اللوقاوي فيُضيف على البُعد الروحي بُعداً واقعيّاً اجتماعيًّا.

فنجد أن القديس لوقا يستخدم مصطلح المساكين، أي الفقراء.

فيما يستخدم القديس متى مصطلح المساكين بالروح.

وأيضاً نجد عبارة الجياع عند القديس لوقا، فيما يستخدم القديس متى عبارة الجياع والعطاش الى البر.

وبالتالي فإن عبارة الضاحكون γελῶντες οἱ   وعبارة الباكون  κλαίοντες  οἱ  ، التي تُفهم كنقيض لها،  ستأخُذان منحى اجتماعي واقعي، كما في العبارات السابقة، سنرى أصدائَهُ بشكل واضح في مواقع أخرى من الانجيل بحسب القديس لوقا[2].

ويجدر الاشارة إلى أنَّ عبارة " الآن " هي عبارة محورية أيضاً يكمن خلفها تحذير واضح وكأن القديس لوقا يُحذّر بأن " الآن " زائلة وعلينا التركيز على ما سيكون[3]. 

واستكمالاً لما سبق، فإن القواميس تُخبرنا أن فعل" κλαίω يبكي " يرد في الثقافة اليونانية والعهد القديم كفعل يُشير إلى ألم بدني أو ذهني، لا إلى ندم أو حزن، و من الممكن أن يُستخدَم أيضاً للتعبير عن الفرح تك:29:46.

أما في العهد الجديد تُستخدم هذه الكلمة عندما يكون الانسان أمام بليّة أو محنة. وضمن سياق الموعظة في السهل تأتي بشكل متباين مع الأغنياء الذين يضحكون دائماً، المغرورين بأنفسهم، الفاقدين للتواضع.

أما الفعل" πενθοῦντες  حزانى " الوارد عند القديس متى في متى 4:5 له معنى الحزن التقوي والتوبة وهذا الاستخدام نجده أيضاً عند  كل من القديسَين بولس و يعقوب ( 1كو 2:5، يع9:4 )[4].

إن الأب بولس فغالي يعلّق على هذا الأمر، من خلال تفسيره الآية 25ب من الاصحاح 6 عند القديس لوقا، فيوضّح أن القديس لوقا لا يتحدّث عن الحزانى، بل عن الباكين الذين سيضحكون، مُبرزاً التعارض بين مصير الفقراء الذين يبكون والاغنياء الذين يضحكون إذ ستنعكس الأدوار فيضحك الفقراء ويبكي الأغنياء. ويرى أن عبارة "ستحزنون"، الواردة بجانب " وتبكون "، آتية من النص الحاوي على التطويبات الأصيلة، السابق للنصين اللوقاوي والمتّاوي، إذ أعطى القديس لوقا وجهة جديدة دون أن يُجري تغيراً كاملاً[5].


وضمن الفحوى ذاته يؤكد العالم    Johnson أن ما ورد في الآية 25 هو مُعاكس تماماً لما ورد في الآية 21.

فما هو واقع الآن سيعكسه الله في المستقبل، وأن عبارة ستحزنون تبدو كعبارة إضافيّة.[6]

أما العالِم  Bovon  يرى أن التطويبات الثلاث الأولى هي تطويبات خلاصيّة بحتة، لأن فعل يبكي له معنى ان يكون الانسان في حداد ويصرخ صرخات الرثاء والكآبة. ولابد من الاشارة إلى أن الكلام عن الحداد والبكاء يحملنا إلى العهد القديم الذي يتكلّم عن الله المعزي الذي يخلّص شعبه، كما في قصة السبي إلى بابل (مز 137)

وبالمقابل فإن العودة من السبي ستمثّل الفرحة التي رسمها الله على وجه شعبه.

كما أن الضحك والبكاء هما ليسا مجرد مشاعر إنما يتضمنان إيحاءات ورسائل لمن حولنا، حيث يمكننا أن نرى دموع الباكين ونسمع صوت البكاء والضحك[7].

 

وبالتالي يتضح لنا من خلال ما سبق أن البُعد الواقعي الاجتماعي حاضر بقوة عند القديس لوقا، حيث الباكون هم الفقراء الجياع المساكين، الذين لامُعين لهم الّا الله وحده، وبالمقابل لدينا الأغنياء الضاحكون الشباعى الذين يعتمدون على الأرضيات الفانية، وأن الوضع الراهن، بكاء وضحك، يرتبط ارتباط وثيق بالمستقبل حيث سيعكس الله الادوار فالضاحكون سيبكون والباكون سيضحكون.

الياس كوكش


 26/11/2021


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المراجع

Bible Works,       Bible Works, Ver. 10. Bible Works for Windows. Hermeneutika Computer Bible Research Software, 2016, IBM PC Compatible for Windows, CD

 

Bovon, Francois. L'Evangile selon saint Luk (9,51-14,35), Geneve: Labor et Fides, 2011.Print.pg 294- 296.

 

فيربروج، فيرلين، القاموس الموسوعي للعهد الجديد- مكتبة دار الكلمة – القاهرة:2007.مطبوع. ص 359، 533.

 

زكي إسطفانوس، أندريه، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، القاهرة: دار الثقافة. 2018.مطبوع.ص1824، 1825.

 

الفغالي، بولس، انجيل لوقا، 3أجزاء (د.ب.3/9/13)، بيروت: الرابطة الكتابية. 1993-1996.مطبوع.

  Johnson, Luke Timothy. Daniel J. Harrington, S.J. ed.(1991)The gospel of luke (Sacra Pagina, Vol3), "A michael Glazier book".



[1] الفغالي، بولس، انجيل لوقا، 3أجزاء (د.ب.3/9/13)، بيروت: الرابطة الكتابية. 1993-1996.مطبوع.

[2] لو53:1، 16:12، 12:14،19:16، 23:18،  1:21،

[3] زكي إسطفانوس، أندريه، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، القاهرة: دار الثقافة. 2018.مطبوع.ص1824، 1825.

[4] فيربروج، فيرلين، القاموس الموسوعي للعهد الجديد- مكتبة دار الكلمة – القاهرة:2007.مطبوع. ص 359، 533

[5] الفغالي، بولس، انجيل لوقا، 3أجزاء (د.ب.3/9/13)، بيروت: الرابطة الكتابية. 1993-1996.مطبوع.

[6] Johnson, Luke Timothy. Daniel J. Harrington, S.J. ed.(1991)The gospel of luke (Sacra Pagina, Vol3), "A michael Glazier book".

[7] Bovon, Francois. Levangile Selon Saint Luk (9,51-14,35), Geneve: Labor et Fides, 2011.Print.pg 294- 296.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بسماتٌ مِنَ الأبديّة-(لو21:6ب)

مديح خلاص أم مديح كبرياء لو 6: 26

اهل الملكوت (لو20:6)