لأجلِك نُمات كلَّ يومٍ - لوقا 22:6

 

لأجلِك نُمات كلَّ يومٍ - لوقا 22:6

تُطلَق صفة "الإنجيل الاجتماعي" على إنجيل لوقا، ويظهر هذا واضحاً في موضوع "العظة في السهل". إذ نجد أنّ التطويبات تُعالج فوارقَ اجتماعية، أمّا في إنجيل متى فتُعالج حاجاتٍ روحية. هدف هذا العمل المتواضع هو شرح وتفسير التطويبة الرابعة من العظة في السهل، وهي: "طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ، وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَانِ."(لو22:6) سنقوم بمعالجة أهمّ الإشكاليات التي عرضها المفسرون والباحثون في هذه الآية. وذلك من خلال الرجوع والاعتماد على العديد من المراجع والقواميس باللغة العربية والإنجليزية واليونانية المعتمد عليها في الجامعة للأبحاث.


بدايةً، نلاحظ أنّ التطويبات والويلات عند لوقا هي مجموعة من النقائض تبدو كأمورٍ بديهيةٍ واضحة المعاني ولكنّها في الحقيقة ليست كذلك (راجع الخوري 1836). ونلاحظ أيضاً أنّ لوقا أعاد صياغة التطويبة الرابعة على ضوء خبرةٍ مسيحيّةٍ عاشها بقيادة الروح ورسمت له طريق المعلّم، لذلك جاءت هذه التطويبة طويلةً مقارنةً مع باقي التطويبات. كما نلاحظ أنّ مضمونها جاء مختلفاً عن التطويبات الثلاث الأولى لأنّها لا تُعلن مجيئاً قريباً للملكوت من أجل البشر المتألمينَ الآن، بل تطويبة المؤمنون الذين سيُقاسون الاضطهاد ويواجهون الظلم مراراً من أجل ابن الإنسان. لذلك قد يعود جوهر هذه التطويبة بصورةٍ غير مباشرةٍ إلى يسوع المسيح الذي اضطُّهد في حياته الأرضية ولم يعرف فيها معنى الغنى والسلطة. حيث عاش فيها كمسكينٍ ليفتح الأعين على نور وغنى الملكوت، وانتظر أن يكون مصير تلاميذه مشابهاً لمصيره وهذا هو جوهر التطويبات (راجع فغالي 403 ، راجع الخوري 1836). كما تُعتبر هذه التطويبة أكثر تفصيلاً من سابقاتها لأنّها تعطي تعبيراً ملموساً عن حالة الإكراه والاضطهاد والاستبعاد للمسيحيين. بالإضافة إلى التعيير وتشويه السمعة والاتهام بأشنع الجرائم من قبل اليهود لكلّ شخصٍ يعترف بأنّ يسوع هو ابن الإنسان ويعمل من أجل مجد اسمه (راجعEDNTLattke,  ، راجع هنري 424).

يتعامل لوقا مع مصادره بطريقة أكثر تحفظاً من متى الذي يضيف عبارة "من أجل البر"، ويمكننا إرجاع الاختلافات في النصوص المتوازية جزئياً إلى تقاليد (Q) المختلفة. ونلاحظ أيضاً أنّ لوقا تجنّب لفظة "اضطهاد" الواردة عند متى والتي تُشير إلى المضطهَدين من أجل المسيح. ما لفتَ نظرَ لوقا هو تحمّل المعاملات السيئة وليس سببها، وهذا يؤكد أنّ لوقا يهتمّ بصيت الناس والاحترام الذي نُظهره لهم. ويتوافق لوقا مع مَرجعِه فيذكر المعاملات السيئة التي قاساها حقاً المسيحيون الأولون من قِبَل اليهود المُعادين للدين الجديد. ونجد أيضاً أنّه يشدّد على تكديس هذه المعاملات السيئة، لا على بُعد كلّ معاملةٍ على حِدَة.

وللتوضيح أكثر، لا بدّ لنا من شرح بعض الكلمات الواردة في التطويبة:

v      Μακάριοί "طُوبَاكُمْ": تعني سعيد، مغبوط، محظوظ، أو مُبارَك (راجع فيرلين 415). وفي الأدب الشعري اليوناني تعني الحالة فوق الأرضية التي للآلهة وللأشخاص الذين يبتهجون في الحظ السعيد غير العادي (راجعEDNTStrecker, ).

v      μισήσωσιν: "أَبْغَضَكُمُ": أن تكون مكروهاً من أجل المسيح، يعني أن تُشارك في مصير يسوع، والكراهية هي الصفة الأساسية لأعداء شعب الله (راجعEDNTGiesen, ).

v      ἀφορίσωσιν "أَفْرَزُوكُمْ": يرد هذا الفعل عند لوقا فقط، ويُعطي شعوراً بالعزلة. والمقصود به هنا ممارسة المجمع اليهودي لحقّ الحرمان ضدّ المسيحيين، وفي اللغة المعاصرة يعني "التهميش" (راجع 107 Johnson ، راجعEDNTKellermann, ).

v      ὀνειδίσωσιν "وَعَيَّرُوكُمْ": تعني الازدراء، أيّ اللوم اللفظي أو التعيير. وتُعبّر عن الإهانات التي وُجّهت للمؤمنين.

وهكذا نستنتج أنّ الأفعال الثلاثة السابقة ترد في اللغة اليونانية دون أيّ مشكلة، وهي تنتقل من الموقف (الكراهية) ومن العمل (التفريق)، تجاه الكلام (الازدراء) وبالتالي هي الشروط الثلاثة لتجربة الرفض (راجع 107 Johnson).

أمّا بالنسبة للإشكاليات فقد عالج الباحثون إشكاليتين أساسيتين في تفسيرهم هذه التطويبة:

Ø      الإشكالية الأولى هي عبارة "أَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ":

·         ἐκβάλωσιν "أَخْرَجُوا": تدلّ على رفض اسم المسيح من قبل أعداء شعب الله (راجع فيرلين 198). وتُشير إلى طردٍ قسريٍّ، وكما يفترض بعض المؤلفين أنّ لوقا استخدم المعنى الحرفي للفعل في اللغة التقنية وهو حظر المعبد اليهودي عن المسيحيين (راجعEDNTAnnen, ).

·         ὄνομα "اسم": يُعرّف الهوية، وهو الاسم الذي يرتبط به المسيحيون في رسالتهم، ويتحملون المعاناة من أجله، أيّ اسم يسوع (راجع 107 Johnson).

·          πονηρόν"َشِرِّيرٍ": يحمل معنى السمعة السيئة عند دمجه مع اسم الشخص (راجعEDNT  Kretzer,).

يفترض المفسرون أنّ هذه العبارة آرامية الأصل وتعني الطرد الرسمي من المجمع. وهذا ما يُؤكّد التزام لوقا بالمرجع (Q)، بالمقارنة مع متى الذي يهتم كثيراً بجمال العبارة فيقول: "قالوا عليكم كلمة شريرة".

Ø      الإشكالية الثانية هي عبارة "ابنِ الإنسان":

·         τοῦ υἱοῦ τοῦ ἀνθρώπου "ابنِ الإنسان": يتكلم يسوع مع أبيه بشكلٍ مفهومٍ وواضحٍ كالابن، وهذه التصريحات هي بمثابة انتخابٍ ورؤيةٍ ومعرفة (راجع فيرلين 675). وعندما كان يسوع يتكلّم عن نفسه كان دائماً يعطي نفسه صفة ابن الإنسان وهي واردةٌ في لاهوت العهد القديم أيضاً (راجع فيرلين 62). نلاحظ أنّ لوقا يربط مصير المسيحيين بالتطور السردي التاريخي لصورة ابن الإنسان. بينما ترد هذه العبارة عند متى "من أجلي" وتعني "على حسابي"، وهذا يعني أنّ متى في تطويباته يُعلّم المؤمنين في جوٍّ ليتورجيٍّ عن المسيح الممجًّد (راجعEDNTSand,  ، راجع 107 Johnson ).

وهذا ما يُؤكّد ثانيةً أنّ لوقا بقي أميناً أكثر من متى للمصدر (Q). ونستنتج أنّ كلمة "ابن الإنسان" تحمل بُعداً مجيداً، وفي الوقت ذاته تحمل بُعدَ الآلام والصلب، ولهذا يفهم المؤمنون ما المقصود منها.

في النهاية، نستنتج أنّ الجماعات المسيحية الأولى تألّفت من تلاميذٍ ارتضَوا بإرادتهم بالفقر وحقّقوا رجاء الملكوت في إيمانٍ مجرَّدٍ بمواعيد المسيح. وهذا النداء يُوجّهه إلينا لوقا من خلال هذه التطويبة، إذ يطلب منّا أن نتخلّى جذرياً عن كلّ شيءٍ من أجل المسيح وأن نتعلّق بالقِيَم العُلويّة وحدَها. وعندما نحتمل كلّ الاضطهادات والصعوبات من أجل المسيح بفكرٍ هادئٍ وفرحٍ ننسى قساوتها ومُرَّها ونصل إلى الملكوت كما وعدنا الرّب. لذلك على المسيحيّ أن يختار خيراتِ العلاء بقلبٍ كاملٍ، وأن لا يُعطي قلبه إلّا لله وبهذا يكون في رفقة المُخلّص الذي حقّق الغلبة على الموت.

طوني برباره

29/11/2021

 

المراجع:

1-      الفغالي، بولس،       إنجيل لوقا، 3 أجزاء (د. ب. 3/9/13)، بيروت: الرابطة الكتابية. 1993- 1996. مطبوع.

2-      فيربروج، فيرلين،    القاموس الموسوعي الجديد – مكتبة دار الكلمة – القاهرة – 2007.

3-      الخوري، باسمة،     التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس – دار الثقافة – القاهرة – 2018.

4-      هنري، متى،         التفسير الكامل للكتاب المقدس -  مطبوعات إيجلز – القاهرة – 2002.

5-      Johnson, Luke T, and Daniel J. Harrington. The Gospel of Luke. Collegeville, Minn:   Liturgical Press, 2006.

6-                                                         Bible Works, Bible Works, Ver. 10. Bible Works for Windows. Hermeneutika               Computer Bible Research Software, 2016, IBM PC Compatible for Windows, CD.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بسماتٌ مِنَ الأبديّة-(لو21:6ب)

مديح خلاص أم مديح كبرياء لو 6: 26

اهل الملكوت (لو20:6)