جوعٌ أرضيٌّ لأجلِ فرحٍ سماويّ - لوقا 21:6

جوعٌ أرضيٌّ لأجلِ فرحٍ سماويّ

المقدمة:

قمنا بكتابة هذا العمل بهدف تفسير وشرح التطويبة الثانية من تطويبات العظة في السهل الموجودة في إنجيل الرسول لوقا، وهي: "طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْجِيَاعُ الآنَ، لأَنَّكُمْ تُشْبَعُونَ." (لو 21:6) سنقوم بشرح وتفسير عباراتها بطريقة علمية ومعالجة الإشكاليات التي عرضها المفسرون في تفسيرها. وذلك من خلال الرجوع إلى مراجع وقواميس متنوعة باللغة العربية واليونانية والإنكليزية. وهذه المراجع المستخدمة معروفة ومعتمد عليها من قبل الأبحاث في الجامعة لنستطيع عرضها للقرّاء بصورة علمية واضحة ومفهومة.

الجائعون والمُشبَعون:

تُشكّل التطويبات الثلاث الأولى إعلاناً عن مجيء ملكوت الله والمخصصين للدخول إليه. إذ يقدّم يسوع نفسه على أنّه الرسول الأخير وحامل البشرى وهو وسيط الخلاص الموعود به، والذي يأتي من أجل الفقراء والحزانى والجياع. إذاً، نحن موجودون أمام تسميات ثلاث لفئة واحدة من المستفيدين من ملكوت السماء، من التعزية المسيحانية، من الوليمة الاسخاتولوجية، وهذه التسميات الثلاث هي لواقع الخلاص الواحد. تعكس هذه التطويبات الثلاث بصورة مباشرة كلمات المخلّص، وتُعلن بشرى حدث الملكوت الذي هو بلاغٌ مفرحٌ به يُدشّن المسيح مهمته الرسولية بصورة فاعلة.(راجع فغالي403 )

تُوحي التطوبيتان الثانية والثالثة شبه تكرار للجائعين والباكين دون المقابلة بينهم وبين الأغنياء. لذلك على الرغم من الفقر والجوع المطلوب من التلاميذ هو الأمانة في اتباعهم ليسوع المسيح على مثال الأنبياء. (راجع باسمة1835 ) كما نجد أنّ لوقا يذكرالجائعين بعد الفقراء مباشرةً فبعد الأغنياء يأتي المُشبعون. ونلاحظ أنّ هذا التقريب بين الفقراء والأغنياء يأتي مراراً عند لوقا. كمثل الغني الذي يحلم بأن يأكل ويشرب ويتنعم، ولعازر الفقير الذي كان يرغب في أن يملأ بطنه من الفتات المتساقط عن مائدة الغني. وهذا ما يوضح أنّنا أمام فئات اجتماعية واقتصادية، وليس أمام استعدادات داخلية.(راجع فغالي405-406 )

أمّا بالنسبة للمرتبة أو الحالة الاجتماعية لا يمكن أن تكون أساساً للفرح، لأنّ الجوع سببٌ للتعاسة والألم بينما الشبع يعطي الفرح والراحة. ويُوضّح أيضاً أنّ الجوع ليس أمرٌ بديهيٌّ كما يبدو، فالفرح لا يعتمد على الشبع وعدم الجوع، إنّه ليس سوى نتيجة لتدخّل الله وحده، فإنّ الله هو القادرعلى قلب الأحوال برمتها. وهذا ما أعلنته مريم بنشيدها مؤكدةً أنّ البؤس الحالي ليس دون رجاء وأنّ الله يريد تجديد العهد مع البشر وهذا الوعد يطال كلّ الخليقة الجديدة بالرّب يسوع. الفرح الذي يأتي به الرّب لكلّ من يقبل خلاصه هو ملخّص التطويبات الثلاث الأولى وكأنّها تحقيق لنبوة أشعياء(66:10).( راجع باسمة1836 )

وسنشرح هنا بعضاً من معاني الكلمات الواردة في التطويبة:

طوبى "Μακάριοι": سعيد أو جيد.(راجع فيرلين 415) يتم استخدامها في مجموعة متنوعة من السياقات النحوية ومعاني متنوعة. في الأدب الشعري اليوناني تُحدد حالة فوق أرضية أي للآلهة والأشخاص الذين يبتهجون في الحظ السعيد غير العادي كما أنّها تعني مبارك.(راجع Strecker, EDNT)

ويزيد الإنجيلي لوقا كلمة صغيرة أنتم الجائعون "الآن" "νῦν"، ويستخدمها هنا في معناها البسيط لا في مدلولها التقني أيّ لا تُعطي معنى اسخاتولوجي وإنّما يُقابل بين الوضع الحالي للجياع والمُشبَعون ووضعهم المقبل. (راجع فغالي406 )

بالمقارنة بين لوقا ومتى نجد أنّ متى يُضيف كلمة "العطاش"، كما يضيف أيضاً عبارة "إلى البر" أيّ نحن أمام روحانيات من العهد القديم، بينما لوقا يقصد الحاجات الاجتماعية. ولهذا يُؤكّد لوقا على التّضاد بين الحياة الآن والمستقبل أيّ الملكوت. وما يقصده بالجوع فهو الجوع البشري الجسدي بينما الإشباع يكون في الملكوت. ولهذا نجد أنّ الفعل "χορτασθήσεσθε" يرد باللغة اليونانية بصيغة المستقبل المبني للمجهول، وهذا المجهول يدلّ على عملٍ إلهيٍّ فهؤلاء الجياع سوف يُشبَعون من قِبَل الله في الملكوت السماوي.

الجياع "πεινῶντες" كمصطلحٍ عامٍ تدلّ على النقص والحاجة وعكسها هو الشبع أو المساعدة، ونجد أنّ الجوع في العهد الجديد هو علامة على الضيق والفقر ويُستخدم كاستعارةٍ للاعتماد على الله. وبالتالي على المؤمنين أن يتحملوا الجوع والضيق من أجل الرّب وتوجيه أعمالهم بمحبةٍ إلى الجياع. وبالنسبة للذين ليس بمقدورهم أن يتوقعوا شيئاً من هذا العالم ومن ثمّ يجعلون كل رجائهم في الله فلن يُعانون من الجوع أبداً. (راجع Balz,EDNT)


الخاتمة:

في الختام، يمكننا القول أنّ الاختلاف في هذه التطويبة بين متى ولوقا يعود على أسلوب كل منهما في الكتابة. ولكن الهدف هو واحدٌ وهو توجيه عظة وإعطاء تعاليم من السيد المسيح لتلاميذه الذين سينقلوها بدورهم للعالم بأجمعه. وكما وضحّنا في التفسير أعلاه أنّ كلّ الجياع في الحياة الأرضية سوف يحصلون على الشبع والفرح وكلّ ما ينقصهم في الملكوت السماوي. والشرط الوحيد لحصول هذا هو إيمانهم بالرّب يسوع والتخلي عن كلّ شيءٍ من أجله، فهو مصدر الفرح الحقيقي والهدف الأسمى.

نوار سكر

29/11/2021

 

 

المراجع:

1-    الفغالي، بولس،       إنجيل لوقا، 3 أجزاء (د. ب. 3/9/13)، بيروت: الرابطة الكتابية. 1993- 1996. مطبوع.

2-    فيربروج، فيرلين،    القاموس الموسوعي الجديد – مكتبة دار الكلمة – القاهرة – 2007.

3-    الخوري، باسمة،     التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس – دار الثقافة – القاهرة – 2018.

4-    Bible Works, Bible Works, Ver. 10. Bible Works for Windows.      Hermeneutika  Computer Bible Research Software, 2016, IBM PC Compatible for Windows, CD.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بسماتٌ مِنَ الأبديّة-(لو21:6ب)

مديح خلاص أم مديح كبرياء لو 6: 26

اهل الملكوت (لو20:6)